القراءة الهادئة لمسار الأحداث تؤكد حقيقة واحدة: ما يواجهه الجنوب اليوم ليس أزمة عابرة، بل صراع إرادات بين مشروع شعب يمتلك قضية واضحة، وقوى تحاول إدارة الوقت لا حلّ المشكلة. التاريخ السياسي يقول إن الشعوب التي تحسم خيارها مبكرًا، وتدفع كلفة الثبات، هي وحدها التي تصل في النهاية، مهما تعقّدت المسارات.
استراتيجيًا، تفوق الشعب الجنوبي لا يكمن في العدد أو السلاح فقط، بل في وضوح الهدف وتراكم الوعي الجمعي. هذا الوضوح هو ما أفشل محاولات الاحتواء، وأربك سياسات الالتفاف، وجعل كل المعالجات الجزئية بلا جدوى. حين تتحول القضية إلى قناعة شعبية راسخة، تفقد أدوات الضغط التقليدية فعاليتها، ويصبح الزمن عاملًا لصالح صاحب الحق لا ضده.
الجنوب اليوم يتحرك بمنطق الدولة القادمة لا بمنطق ردّة الفعل، ويبعث برسالة مدروسة: الاستقرار الحقيقي لا يُفرض، والشراكة لا تُبنى على إنكار الإرادة، والحلول المؤقتة لا تصمد أمام مشروع وطني متكامل. من منظور سياسي واستراتيجي، هذه مرحلة تثبيت موقف تاريخي، عنوانها أن الشعب الجنوبي لن ينكسر، ولن يتوقف، إلا عند استعادة دولة الجنوب العربي كأمر واقع تفرضه الإرادة قبل الجغرافيا.